اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتم مؤتمر مجمع اللغة العربية وقسم الدراسات الإسلامية في أكاديمية القاسمي أعماله يوم الأربعاء الماضي، وقد استغرق يومين كاملين، عقدت فيهما سبع جلسات، اشترك فيها نحو ثلاثين باحثًا متخصّصًا في التصوّف الإسلامي بسياقاته المختلفة، من جميع أرجاء العالم. وقد أقيم المؤتمر على شرف الطريقة الخلوتية ومرشدها الشيخ عبد الرؤوف القواسمي، الذي شارك بحضوره الكريم في بعض الجلسات. وقد افتتح المؤتمر الدكتور محمد عيساوي رئيس الأكاديميّة تلاه الدكتور ياسين كتاني رئيس المجمع، مرحبين بالحضور، مؤكدين على ميثاق الأكاديميّة وأهدافها، وعلى أهمية المؤتمر في مدّ الجسور مع الباحثين وهيئات البحث العلمي في جميع أنحاء العالم، بغية تأليف القلوب والعقول وتقرب وجهات النظر صوب أهداف العلم النبيلة. في أعقاب ذلك توالت المحاضرات وفق البرنامج المقرّر، فيما يلي أهمّ ما خلص إليه:
أبرز المؤتمر جمال التنوع والتلون في الفكر الصوفي الإسلامي، في عصر باتت فيه نزعات التعميم هي الأروج والأيسر منالا، كان هناك في المؤتمر إصرار على إبراز الفرادة التي تعكسها النظريات والمفاهيم الصوفية المختلفة، والحركات والممارسات التي تتخذ لها في كل زمان ومكان شكلا ولونا خاصين. لقد أفرز التصوف الإسلامي منذ أن حظي بالتأسيس، ترسيخ الهوية الجماعية الواضحة للجماعات الصوفية في إطار حياة منظمة الملامح داخل المراكز الصوفية المنتشرة في البلاد الإسلامية، وذلك منذ الطور الذي تقدّم نشأة الطرق الصوفية في القرن الثاني عشر للميلاد، وما تلاه. استطاع التصوف الإسلامي المؤسس داخل المراكز الصوفية أن يقدّم للإنسان المسلم البسيط خطابًا آخر لحياة الروح وحياة الجماعة. لقد شرع التصوف الإسلامي المنظم يفتح مصاريع أبوابه أمام كل طبقات المجتمع مسهما في خلقِ رابطةٍ دينية محكمة تشكِّلُ البديلَ المنشود لواقعٍ مفكك يعُجُّ بالصراعات الدينية والسياسية. ما صيغ في الطور الكلاسيكي للتصوف ضمن كتب الإرشاد الصوفية التي انبرت تشرح طرائق ما يمكن أن نسميه التنمية الروحية، وهي قدرة الفرد على الرقي من الدرجات الدنيا في المبنى الهرمي للجماعات الصوفية يقف في إزاء ما عرفته أنظمةُ الحكم والمجتمع آنذاك من احتكار المناصب ووعورة الترقي بين الطبقات. المبنى الهرمي داخل المراكز الصوفية أصبح في الحقيقة مبنًى ديناميًّا قابلا للتغيير من حيث الأفرادُ والأدوارُ المنوطةُ بهم. في مثل هذه الشروط لا غروَ أن يجدَ الإنسان العادي في الأوساط الصوفية الملجأَ والمحتمى ممَّا عاناه في حياته، والمتنفسَ الذي يمنحُهُ الثقة بذاته وطاقاته. شخصيَّةُ الشيخ الصوفي تضمَّنت، في المبنى المصغَّر للرباط وفي البيئة الصوفية عمومِها، نموذجًا للزعيم الروحيّ والأرضي معًا. ولذلك فقد شكَّلت بديلا في أعين الناس، عن الخليفة وأمرائه في مناطق الحكم الإسلامي. وفي ظل غياب سلطةٍ مركزيّةٍ موحدة، استطاعَ نشاطُ المشايخ في المراكز الصوفية الممتدّة شرقًا وغربًا منحَ العامَّةِ صيغةً جديدةً لروح التعاضدِ والتماسك بين المسلمين. من هنا كانت المحاضرات التي بيّنت دور الشيخ الصوفي في رسم جوهر المشروع الصوفي، وباتت ضمنه العلاقة بين الشيخ والمريد المحورَ الأساس منذ الطور الكلاسيكي، وصولا إلى عصر الطرق والسلاسل الصوفية.
وفي الطور ما بعد الكلاسيكي، نشهد وعيَ المتصوفة بفرادة المشروع الجماعي الذي يمثِّلونه. التصوف الإسلامي في هذه الحقبة تجاوز أطوارَ الصراع مع السلطة، دينيَّةً وسياسيةً، ليطغى على سائر مظاهر الحياة الدينية. المكانة التي بلغَها مشايخ التصوف آنذاك أضافت إلى ذلك الوعي بالفرادة رغبةً جادّةً في نشر التعاليم الصوفية بين العامة. ولأجل ذلك، لم يعد دخولُ التصوف رهنًا باعتزال الناس، والفرار من الأهل والولد إلى الجبال والبوادي، وممارسة نهجٍ من الحياة يشذُّ عن المتعارف والمألوف في المجتمع. وبتعبيرٍ آخر، لم يعد "ثمن الانتماء إلى الطريق" باهظًا كما كان، فراجت "البضاعةُ" وتسابقت الأيدي لاغتنامها. ولعلّ حظًّا من الفضل في إحداث هذا التحول يُرجَع إلى دعوات الملامتية بممارسة حياة الظاهر كلِّها، ودخول الأسواق كسائر الناس سترًا للباطن وأحواله.
ومع هذا الانتشار والنزول من البرج العاجي للفكر الصوفي، والانزياح الذي شهدته المؤلفات الصوفية بعد القرن الميلادي الثاني عشر من التأليف النظري المركب لأحكام الباطن وأجزاء الطريق الصوفي المختلفة صوب التأليف الصوفي العملي للممارسات العملية في حياة الجماعة؛ نقول رغم هذا التحول، إلا أنّ نظريات الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي بقيت محركا رئيسيا لكثير من الحركات الصوفية في أنحاء مختلفة من العالم. نقول هذا مع العلم بأنَّ تعاليم ابن عربي لم تشكّل أساسًا لطريقة صوفية بعينها.
ويدخل التصوف العصر الحديث بتحدياته الجديدة، فتجد بعض الأنشطة الصوفية ملاذها في العمل السياسي، وبعضها في العمل العسكري، ولا يتوانى كثير منها عن التعاطي مع العولمة، وتوظيف عناصرها في الانتشار والتواصل مع الأتباع والمنتسبين كما استمعنا من المحاضرين الذين تناولوا هذا الجانب الهام في تأريخ الحركات الصوفية في الجلسة الأولى للمؤتمر في يومه الأول.
وبعد فلا يزال الكثير مما يمكن بحثه في الفكر الصوفي في الإسلام. ولا تزال نهاية النهايات مطلبا بعيد المنال، ولا تزال أسئلة كثيرة تطارد الباحثين في هذا الحقل المركب الشاسع. وحسبنا في هذا المؤتمر أن نكون قد وفقنا في إثارة الأسئلة التي ينبغي لها أن تُطرح، وفي استثارة البعض من المشاركين على المضي في تناول ما أثير خلال الجلسات المختلفة للمؤتمر اختطاطا لبحث جديد قادم. وإنه ليسرنا أن نحظى بفرصة نشر المحاضرات التي قُدمت خلال أعمال المؤتمر في كتاب سيصدر قريبا، وليكن هذا الكتاب دافعا آخر لصياغة آفاق جديدة تحاور التصوف ماضيه وحاضره، ضمن حوارٍ يحتكم إلى الفكر الثاقب، والسؤال البحثي العميق، والموضوعية العلمية الجادة. وليس خافيا على أحد ما في مثل هذه الحوارات من إسهام في التأسيس لخطاب عالمي جديد ينظر إلى حضارة الإسلام في أطوارها وأشكالها المختلفة نظرةَ حقٍّ وإحقاقٍ بعد مرور زمن طويل على رؤى التعميم والتسطيح والانتقائية الفكرية التي جعلت تخدم أهدافا لا يجمعها والبحث العلمي أيُّ جامع.
تلخيص: د. عرين سلامة-قدسي

روابط:

موقع المؤتمر: "رحلةٌ مع الصوفيّة: التاريخ، التَّنظير، والمُمارسة"

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

اختتام أعمال مؤتمر مجمع القاسمي الدولي في الصوفية

جميع الحقوق محفوظة © مؤسسات القاسمي