مستقبل التعليم العالي في المجتمع العربي

مستقبل التعليم العالي في المجتمع العربي

  • 05/02/2026

مستقبل التعليم العالي في المجتمع العربي

انطلقت يوم الثلاثاء (3.2.2026) في أكاديميّة القاسمي بمدينة باقة الغربيّة أعمال مؤتمر تصميم مستقبل التعليم العالي في المجتمع العربيّ، الذي جمع نخبة من الأكاديميّين وإدارة مجلس التعليم العالي وخبراء الاقتصاد وكبار المسؤولين، إلى جانب ممثّلي السلطات المحليّة، ومتّخذي القرار وذلك لمناقشة التحدّيات المركزيّة وقضايا إتاحة التعليم العالي في مناطق الضواحي.

رؤى استراتيجيّة ومسؤوليّة مشتركة
افتُتحت أعمال المؤتمر بتحيّة مصوّرة لرئيس الدولة، السيد إسحاق هرتسوغ، أكّد فيها على أنّ نجاح المجتمع الإسرائيلي مرتبط عضويًا بنجاح المجتمع العربيّ، مشدّدًا على أن محاربة الجريمة المستشرية تُعدّ ركيزة أساسيّة لتقليص الفجوات وتغيير الواقع.
وفي كلمته، قدّم رئيس أكاديميّة القاسمي، البروفيسور محمّد أمارة، رؤية شاملة اعتبر فيها اللقاء العربي-اليهودي مسؤوليّة مشتركة لتصميم مستقبل يرتكز على تكافؤ الفرص، قائلًا: لقاؤنا هنا ليس لأنّنا نتفق على كلّ شيء، بل لأنّ بيننا الكثير من القضايا المشتركة التي يجب أن نصوغها معًا بشجاعة”، وشدّد أمارة على أنّ المجتمع العربيّ لا يطلب صدقة من أحد، بل شراكة استراتيجيّة، واصفًا المعركة ضدّ العنف بأنّها “اختبار أخلاقيّ للمجتمع الإسرائيليّ بأسره، وصرخة مسؤوليّة لا احتجاجٌ من باب اليأس”.
وقد عزّز هذا التوجّه رئيس بلدية باقة الغربيّة، السيد رائد دقّة، الذي حذّر من أنّ المجتمع العربيّ يقف أمام مفترق طرق تاريخي”في ظلّ التحريض والانقسام الرقميّ، داعيًا الحكومة إلى وضع حدّ للإهمال، ومؤكّدًا على أنّ المجتمع الذي لا يحاور نفسه ولا يحدّد أهدافه قد يضلّ طريقه حتى لو تقدّم تكنولوجيًا. ومن جانبه، أكّد البروفيسور إلياكيم روبنشتاين على محوريّة هذا النقاش وتوقيته الاستراتيجيّ بوصفه ضرورة ملحّة.

الاقتصاد والسياسة: دور العرب كمصلحة وطنية
على الصعيد الاقتصادي، شدّد محافظ بنك إسرائيل، البروفيسور أمير يارون، على أنّ التعليم العالي هو المحرّك الأساسيّ للنموّ والركيزة الكفيلة بتقليص الفجوات. كما دعت د. مايا لوغاسي بن-حمو، المديرة العامّة لمجلس التعليم العالي، إلى تعزيز البنية التحتيّة للأكاديميا العربيّة كحلّ بنيوي. وتناغم مع هذا الطرح وزير الثقافة والرياضة، ميكي زوهر، الذي أكّد على أنّ شراكة المجتمعين العربيّ واليهوديّ هي حجر الزاوية في قوّة الدولة”، واستعاد زوهر تجربته الشخصيّة كابن للضواحي وعائلة من أصول شرقيّة، قائلًا: “شعر أهلي بالإقصاء والتهميش في الماضي، وأعتقد أنّ المواطنين العرب يحملون الشعور نفسه اليوم؛ ودورنا هو تقليص هذه الفجوات وإشعار كل مواطن عربيّ بأنه جزء متساوٍ تمامًا”.

مواجهة “هجرة العقول” وخريجون يصنعون الفرق
ناقش المتحدثون ظاهرة توجّه الشباب العربيّ للدراسة في الخارج، والحاجة إلى تعزيز المنظومة الأكاديميّة المحليّة لتوفير بديل نوعيّ وقريب من أماكن سكنهم. ودعا دافيد برودت، المدير العام السابق لوزارة المالية، إلى إنشاء جامعة عربيّة. في المقابل، اعتبرت البروفيسورة رفقة كرمي، الرئيسة السابقة لجامعة بن-غوريون، أنّ امتحان البسيخومتري يشكّل حاجزًا ثقافيًّا ينبغي تجاوزه، مع ضرورة تكثيف المنح الدراسيّة للطلاب العرب. كما أكّدت البروفيسورة حغيت مسر-يارون، الرئيسة السابقة للجامعة المفتوحة، على أنّ الأولويّة تكمن في بناء كادر من المحاضرين العرب، والاعتراف الرسميّ بأكاديميّة القاسمي ككليّة عامّة.
بدوره، كشف الخبير الاقتصادي أيمن سيف عن ضياع كفاءات عربيّة في سوق العمل، داعيًا إلى ربط التخصّصات الأكاديميّة باحتياجات قطاع الهايتك، فيما طالب البروفيسور رامي أبو فنّة بتوسيع ثقافة البحث العلميّ محليًّا للحدّ من الإحباط بين الخريجين. كما استعرض البروفيسور جهاد الصانع قصّة نجاح عائلته بوصفها نموذجًا للتحدّي، داعيًا إلى اعتماد اختبارات قبول بديلة- كما هو مطبّق في جامعة بن-غوريون في النقب مع الطلاب البدو- تراعي خصوصيّة الطلاب العرب.

مستقبل التعليم الأكاديميّ في المجتمع العربيّ

في مداخلة حول مستقبل المؤسّسة، أكّد المدير العام لأكاديميّة القاسمي، السيد مروان عنبوسي، أنّ الأكاديميّة تخطو خطوات جوهريّة لتصبح أوّل كليّة عامّة في المجتمع العربيّ، تمهيدًا لتحولها إلى جامعة. واعتبر أنّ استنزاف العقول العربيّة إلى الخارج ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة سياسات قائمة تستوجب تغييرًا فوريًا، بما يعزّز المناعة الاجتماعيّة والاقتصاديّة.

وفي السياق ذاته، شدّد أ.د. يتسحاك رايتر على ضرورة كسر “حالة الفصل” عبر دمج المعلمين العرب واليهود في المدارس المتبادلة، إلى جانب الدعوة إلى إنشاء جامعة عربيّة. كما دعا أ.د. محمد حاج يحيى إلى تبنّي برامج “توجيه” تمنح الطلبة شعورًا بالشراكة والأمل، وتسهم في تقليص فجوات الانتماء والحدّ من الجريمة.

ومن منظور التكامل المدني، رأى أ.د. عمري يادلين أنّ الأكاديميا مطالبة بأن تكون “بوتقة صهر” تقوم على إتقان اللغتين العربيّة والعبريّة لتسهيل الاندماج والحدّ من التسرّب، وهو ما أيّده زئيف بيلسكي بدعوة السلطات المحليّة إلى تعزيز مهارات اللغة العبريّة قبل الالتحاق بالجامعات.

وفي ختام المداخلات، أكّد أيال ليفي أنّ قضيّة الموارد تشكّل عاملًا حاسمًا، مشيرًا إلى نجاح المؤتمر في بناء “سفراء” لحشد الدعم الاقتصاديّ اللازم. ومن جهته، حذّر أ.د. حسام ذياب من أنّ غياب الأطر المهنيّة للشباب هو الوقود الحقيقيّ للعنف، مطالبًا بمواءمة التعليم مع سوق العمل.

قصص نجاح ملهمة: خريجو القاسمي “سفراء للتغيير” في المجتمع
اختُتمت أعمال المؤتمر بحلقة نقاشيّة لافتة بعنوان نبض الميدان، أدارتها د. خلود زبانة طناس، عميدة شؤون الطلبة في أكاديميّة القاسمي، حيث عُرضت نماذج حيّة لخريجين وطلاب من الأكاديميّة تحوّلوا إلى قادة ومؤثّرين في مجالاتهم. وشارك في الحلقة السيد فايز أبو صهيبان، رئيس مؤسّسة نجوم الصحراء، الذي نقل تجربة القيادة في النقب، والسيدة نورا أبو حسين، التي تدير اليوم مدرسة الشافعي في باقة الغربيّة كنموذج للإدارة التربويّة الناجحة.
كما شهدت الحلقة مشاركة مميّزة للسيد آفي شليف، مرشد الرحلات الذي اختار التخصّص في اللغة العربيّة في القاسمي ليكون جسرًا للتواصل، إلى جانب آية محاجنة، التي تشغل اليوم منصب محاضِرة في كليّة “أورانيم” ومرشدة في وزارة التربية والتعليم، والطالبة سوار شمسي، التي تمثّل جيل التميّز في المسار المباشر للألقاب الأكاديميّة المتقدّمة في الدين الإسلامي. وقد أجمع المشاركون على أنّ الدفيئة الأكاديميّة في القاسمي شكّلت حجر الأساس في صقل هويّتهم المهنيّة وفتح آفاق التأثير أمامهم في سوق العمل والمجتمع.